السياحة الاستعمارية

“الاستعماري يبقى استعماريا”. هكذا عبّرت عن رأيها حين قلتُ أنّي ضدّ كلّ نشاط ساحيّ، خاصة في العالم العربي والدول النامية. كنتُ أقصد أن الاعتماد على السياحة يجعل اقتصاد الدولة، كما سُبُلُ عيش الناس، عُرضة للاهتزاز وربّما التدهور مع كلّ خضّة سياسية أو أمنية أو عسكرية، أو تغيّر مناخي أو حتّى فصل سيّء. لطالما نفرتُ من وجوه السائحين ونظراتهم الفارغة. يأتون ليروا ما بنى أسلافهم في بلادنا، يدّعون. يحاولون التنقيب عن آثار أسلاف أسلافهم. إذا عثروا على أثر لا يمتّ إليهم، إلى حضارتهم بصلة، استولوا عليه أو على بعضه، ونقلوه إلى متاحفهم وشوارعهم وصيّروه، غصباً، جزءً من ثقافتهم وتمدّنهم. لطالما نفرتُ من اندهاش أولئك السائحين بالآثار، ومن لا مبالاتهم بكلّ شيء آخر. حروبهم واستقلالهم واستعمارهم، كلّ تاريخهم الدمويّ، الوحشيّ، لا يبالون به ولا بآثاره، حسبهم أن يكون الموقع الأثري آمناً لهم حين تطأه أقدامهم. لا يكترثون بما كان في الأمس، ولا بما سيكون غداً. ما همّهم إن كان ذلك الطفل الذي يقدّم لهم المرطّبات قد قُتِلَ والده بصاروخ من مصانعهم الحربية؟ ما شأنهم بتلك المرأة إن كانت تسقط غداً مذبوحة على يد صاحب شرفها الجاهل بفعل تفقيرهم واستيلائهم على ثروة بلاده؟ لا همّ لهم في كلّ هذا سوى الأسف والاستهجان، أو الشماتة، إذا وصل الخبر إلى إحدى شاشاتهم الذكية.

ذهنية الاستعماريّ، حتى إذا كان لا يلعب الآن بالذات، دور المستعمر، تبقى استعمارية. يصل إلى الموقع الأثريّ، أو إلى المطعم، لا فرق، يريد أن يحصل على مبتغاه، كأس مرطّبة، أو واقٍ من الشمس، أو متجر يشتري منه شاحناً جديداً لبطاريّة آلة التصوير المتدلّية من عنقه. لا شكّ لديه أنّه سيجد شاحناً من الطراز المناسب. ما تنتجه بلاده هناك، قد تمّ تسويقه هنا، بعد أن تمّت معالجتنا كما يلزم لنصير أهلاً لاستيراد تلك السلع واستهلاكها، ونصير أهلاً لخدمته حين يأتينا سائحاً. أسوأ ما يساورني هي تلك الصور التي أكون فيها أشبه بسائح حين أجلس في مقهى أو في مطعم. ليس وحده المستعمِر استعمارياً، بل المستعمَر يحاول أن يكون مستعمَراً أكثر، إلى درجة قد تجعله يلبس ظلاً استعماريّاً.

أولئك السائحون يستعمرون بلادنا، حتى الثقافة والحضارة، حتى التاريخ منّا. يستعمرون أرضنا كأنها قفرٌ. يهدمون عمائرنا ثم يستعمرون، ونحن لا نتمنّى سوى أن يأتونا استعماريين يستأجروننا بمالهم، بل يطؤون كلّ ما فينا من بغضٍ لاستعمار آبائهم.

كلّ شيء يجب أن يكون في خدمة السائح، من سلالة المستعمِرين أم من سلالة المستعمَرين، لا فرق. كل شيء يجب أن يكون في خدمة السائح وروحه الاستعمارية. حتى في بلادهم سمحوا، رأفةً، لأبناء المستعمَرين أن يأتوا لخدمتهم أيّام سياحتهم. أما في بلادنا فقد شيّدنا لهم الفنادق والمطاعم والملاهي، وسّعنا لهم المطار، نوّعنا الملاهي بتنوّع أذواقهم، أقمنا لهم وزارة تُعنى بشؤون خدمتهم، كلّ ذلك رجاء أن يستعمرونا. حتى تنميتنا لا تستقيم إلا بالاسترزاق منهم. لا حياة لنا إذا لم نفسح المجال لباصاتهم، ولا نور لنا إذا لم تسطع الشمس أمام عيونهم.

الاستعماريّ يبقى استعمارياً ما دمنا بلاد السياحة، بلاد المناخ الجميل في أيّام عطلتهم، بلاد الدهشة، وبلاد المواقع الأثرية ومدن السهر وأحياء اللهو والتسلية. ما دمنا لا نفهم الفرق بين مدهوش بارتفاع الأعمدة الستة والأهرام الكبرى، وبين التأمّل بلوحة معلّقة على جدار متحف. يبدو السائح الاستعماري، مستعمِراً كامناً أو متخفيّاً، يرغمنا بتكبّره وغطرسته أن نُسَرَّ بخدمته، وأن نسعى لتطوير أنفسنا لنحظى بشرف تلك الخدمة.

تموج البلاد، أيّام ازدهارها، بالسائحين. سائحون في المواقع الأثرية، والمواقع الطبيعية، والفنادق والمطاعم والملاهي والشوارع، حتى المنازل الصغيرة في الأرياف تنال قسطها من السائحين البيئيين. نتعلّم النطق بلغاتهم واستهلاك سلعهم، وخدمة أساليب عيشهم وعاداتهم. نعرف كيف يحبّون أن نقدّم لهم الطعام، وكف نفتح باب الغرفة، وكيف نحدّثهم بلباقة، وكيف نعتذر بتذلّل، ونبتسم بدفء ونستضيف بكرم. نعرف ساعة شايهم وأنواع مشروبهم المفضّلة.

قالت ان الاستعماريّ يبقى استعمارياً، وأسفت لأنها تأتي من أحد تلك البلدان حاملة عادات مما لم تتمكن أن تتخفّف منه. هكذا التربية في بلادها قالت، تُنشئ الأطفال بذهنية الاستعماري ليلعب دوره ويخدم استعماراً يعملون له، ليجثم في يوم قادم على أرض سهلة غير ممتنعة، يسكنها أناسٌ مؤهّلون.

Advertisements
هذا المنشور نشر في Uncategorized. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s