عاد أبو رأفت

بادرني ما إن وصلتُ بتحية تمتزج بضحكة رنانة. عاد أبو رأفت مساء الأمس وغادر رأفت صباح اليوم. صبغ شارباه بالأسود واكتسب وزناً إضافياً. استقبلني في الورشة كأنني أنا العائد من بلد تلتهمه الحرب وتتغيّر فيه الدروب كل يوم حسب سير المعارك.

       حين دخلنا المكتب أمسك بعلبة برازق، أخبرني لاحقاً أنه اشتراها من بلدة سراقب، حملها وأخذ مفتاح السيارة ووضعها على المقعد الخلفيّ حيث لاحظ أنني أضع أشيائي عادة، ثم عاد إلى المكتب والابتسامة العريضة ما زالت تعلو وجهه. رأيتُ حينها ماذا قصدت عزّة حين قالت أنه أعطاها هدية الزيتون كأنه يعطي شيئا من قلبه. بدأ بالحديث عن أيامه في سوريا بعد أن أجاب عن كل أسئلتي وطمأني على عائلته. الأحوال بالغة السوء ويصعب تأمين أساسيات الحياة، كل شيء صار باهظ الثمن والتجار يغشّون كلّ ما يمكن غشّه. هل تتذكرون الحرب الأهلية في لبنان؟

       أشرتُ إلى الوزن الذي اكتسبه فأجابني أنه كان يأكل حتى يشبع كل يوم في قريته. هناك أمكنه أن يشتري ما شاء من اللحم، أما في بيروت فقد كان يخجل كثيراً حين يطلب قليلاً من اللحم مقابل ألفي ليرة مرّتين أو مرّة في الأسبوع. أتمنّى ألا يكون قد اشترى شيئاً من اللحم الفاسد في بيروت. هذه المدينة أكثر قسوة بغلائها وغشّها من بلد يستبدّ فيه حَمَلة سلاح مجرمون. أتذكر مخاطبة زياد الرحباني لبيروت على لسان جان شمعون حين يتحدّث الفقير عن كرهه لها لأنها أذلّته وكيف يتمنى لو أمكنه تدميرها كلّها لكنّه لن يفعل إذ يشفق على نفسه لأنه هو من سيعيد بنائها. أبو رأفت عاش الحرب الأهلية في بيروت وذاق منها الأمرّين لكن السلم في سوريا كان يبعث فيه الراحة والاطمئنان إلى أن عائلته تلقى ثمن تعبه وهم يعيشون بأمان في سوريا. اليوم انقلبت يقول، فلا في بيروت مرتاحين ولا في سوريا مرتاحين.

Advertisements
هذا المنشور نشر في Uncategorized. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s