سأخبركم عن أبو رأفت

أبو رأفت (كنية حقيقية) هو ناطور الورشة التي أديرها بكل ما أوتيتُ من قوة. هو رجل خمسيني من سوريا ترك عائلته في إحدى المناطق الواقعة بين نارين وأتى إلى لبنان ليعمل. في الواقع هو يعمل في لبنان منذ سنوات طويلة. مدخوله يتضاءل كلما تقدّمت به السن. له اثني عشر ابناُ و ابنة وزوجته، كلهم في سوريا. ابنه البكر، رأفت، يأتي ليعمل في لبنان في فترة العطلة الجامعية، ثم يعود إلى سوريا في الشتاء ليتابع تعليمه الجامعي.

قد تجدون قصة أبو رأفت عادية كقصص ملايين البشر، لكن لو نظرتم إليها من خلال وعيكم الانساني، لوجدتموها كققض الملايين العادية، غير طبيعية. في وطننا، العادي الشائع  المألوف يفوق قوانين الطبيعة و كل ما هو طبيعي بكل الماعيير الانسانية.

أبو رأفت ينتظر وصول العمال إلى الورشة وهو جالس على حافة الرصيف ينفث دخان سيجارته ثم يودعهم واقفا في نفس المكان يدخّن وفي هذا لا فرق بيني وبين أي من العمال أو المعلمين سوى أن أبو رأفت يناديني “أستاذ أيمن” وغالبا ما يبتسم عندما يحدّثني عن حياته.

لم أجد بأساً أن أكتب عن أبو رأفت دون تورية في الكنية لأن لا أحد من العاملين في الورشة الذين يعرفون أبو رأفت يمكن أن يقرأ ما أكتب، إلا ، ربما، أحد الذين يعرفون قصة أبو رأفت أصلا، وهذا مبعث غرابة، أكتب و أنشر على الشبكة العنكوبتية بما يكاد يشبه السر، فلا ربط بين المنشور على الملأ وبين الواقع وناسه.

أبدأ بمقطع كنت قد نشرته سابقا عن أبو رأفت:

” قال لي ابو رأفت (ناطور الورشة الخمسيني الطيب القلب): نظرت إلى
أرض جيراننا، الله أعلم تبلغ مساحتها اربع دنمات (مستعملا الدنم في تعبيره التلقائي
الذي يعكس خلفيته كمزارع)، تابع قائلا: هل طمروها ورفعوها؟ هي أعلى من أرضنا، يقصد
العقار التي تقوم عليه ورشة البناء التي يحرسها، كيف جعلوها بهذا
الارتفاع؟؟
أجبته: ماذا في الأمر؟ الأرض هنا
كانت منحدرة، هي جزء من تلة الأشرفية، والطريق ما زالت منحدرة كما ترى لكن الأراضي
سويت بما يناسب الأبنية. طبعا لم يعد بالإمكان أن ترى التلة ولا أن تجدها حتى لو
بحثت، فهي قد أزيلت ولم يبق منها سوى الشوارع المنحدرة.
فضحك ونظر إلى السقف قائلا: نعم، الآن فهمت، ما تقوله يبدو
منطقيا ان كانت هذه الأرض التي يسمونها الأشرفية تلة.
تذكرت ما كتب إيطالو كالفينو في كتابه المدن الخفية عن مدينتين
تمددتا حتى التقيتا وتداخلتا فأزالتا المراعي بينهما، وكيف التقى الرحالة الذي دخل
المدينة ولم يجد طريقه للخروج منها، التقى براعي غنم فسأله في أي مدينة نحن؟ فأجابه
الراعي: ان اغنامي تعرف الطعم ، هذا مرعى كذا”

Advertisements
هذا المنشور نشر في Uncategorized. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s